محمد طاهر الكردي

446

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

نعم . فحلف ، وانصرف النصراني . قال أبو يوسف : « فما أخاف على نفسي إلا من هذا » . قال الحسن : فقلت : وأي خوف في هذا ؟ وقد فعلت الذي فعلت . فقال : من تركي أن أقعده معه في مجلس الخصم . فهذا المقياس الصغير لنفوذ القضاء ، نستطيع أن نقيس عليه المدى البعيد ، الذي وصل إليه الاستقرار الحكمي ، وخضوع الناس جميعهم إلى القضاء المستقل عن جميع السلطات ملكا وحكومة وشعبا . ويستطرد المؤرخ الصيمري ، في سرد ذيول هذه القصة الرائعة ، فيقول : « وقد أدبر الشيخ النصراني قائلا : استفه كشربة سويق . . وتريد وجه أمير المؤمنين ، حين قول خصمه ، حتى قال أبو يوسف : هلكت وهلك الرجل ، ولكن الخليفة أطرق قليلا ثم قال : « سبحان اللّه ولا بد من الإنصاف » . توسع قضاة هذا العصر في الاجتهاد المطلق ، وعلى رأسهم القاضي أبو يوسف ، وقد قال يحيى بن خالد : « لا يكون بلوغ مثل أبي يوسف لدرجة الاجتهاد المطلق موضع تردد ، ولم يتخلف عن درجة أبي يوسف أفذاذ المجمع الفقهي ، وسورة بن الحكم ، وأبو العباس الطوسي ، والقاضي عبد اللّه غانم الرعيني ، والفضل بن حاتم ، والفضيل بن عياض ، ويحيى بن معين . ومن رأي أبي يوسف في الأخذ بالإقرار قوله : « من ظن به أوتوهّم عليه سرقة ، أو غير ذلك ، فلا ينبغي أن يعزر بالضرب والتوعد والتخويف ، فإن من أقر بسرقة أو بحد أو بقتل وقد فعل ذلك به فليس إقراره ذلك بشيء ولا يحل قطعه ولا أخذه بما أقر به . وعن عمر أنه قال : ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته ، أو أخفته ، أو حبسته أن يقر على نفسه . وكذلك لا يعتبر إقرار الرجل عما وجب عليه فيه الحد ، ما لم يردده ، ثم يسأل عنه ، هل به لمم ، هل به جنون ، هل في عقله شيء ينكر ، فإن لم يكن في عقله شيء من ذلك وجب عليه الحد » . فهل يختلف رأي أبي يوسف عن أحدث رأي جنائي ، يحسبه الجاهل من نعم العصر الحاضر ؟ وهل في عرض قضاة البحث اليوم المجرم على الاختبار العقلي